محمد بن أحمد الفرغاني

69

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

الحوت ، ولأجل هذا المعنى نهانا خير البرية محمد صلى اللّه عليه وسلم عن تفضيله على يونس ذي النون عليه السلام « 1 » من جهة أن معراجه صلى اللّه عليه وسلم كان إلى فوق السماوات ، ومعراج يونس إلى تحت الأرض وقعر البحر وبطن الحوت ، مع أنه صلى اللّه عليه وسلم أهل للتفضيل من جهات أخر خارجة عن أفهام أكثر المخاطبين ، منها كونه صلى اللّه عليه وسلم أصلا للكل ، وجامعا للجميع ، وجميع الأنبياء والرسل صور تفصيل عينه وفروعه ، ومنها كونه صاحب مقام أو أدنى وحضرة أحدية الجمع ، ومنها كونه نبيّا وآدم بين الماء والطين ، أي بين العلم والطينة الآدمية وغيره لم يكن نبيّا إلّا حين بعث بني قومه ، ومنها كونه فاتح باب الشفاعة إلى غير ذلك ، وحيث كان عموم الخلق لا يعرفونه صلى اللّه عليه وسلم إلا من جهة نبوّته ورسالته ومورد آثار النبوّة والرسالة وأحكامهما هذه الهوية التي وصول كليهما إليها من جهة المعراج كان سواء ؛ لا جرم نهى عن التفضيل من هذا الوجه باعتبار أفهام عموم الأنام دون أهل الخصوص من الكرام . أشرت بما تعطي العبارة ، والذي تغطّى فقد أوضحته بلطيفة أشار بالذي تغطّى من الأسرار إلى سرّ الحال ، والآن المستور بظهور صورة الماضي والمستقبل ، وهذه الحقيقة الآنيّة والحالية التي هي برزخ بين الماضي والمستقبل إنما هي صورة سراية جمعية الهوية والعلم والوجود في عين الزمان ، كما أن العدل صورة سراية وحدتها في المكان والمتمكّن ، وكل ما كان ويكون من الأمور والكوائن من الأزل إلى الأبد التي حكم الماضي بمضيّها وغيبتها ، وحكم المستقبل بعد بعث ميتها جميع ذلك كائنة خاطرة بالنسبة إلى هذه الجمعية وصورتها التي هي الحال . فنقول : حينئذ كما علمت وفهمت مما تقدم أن الفوقية والتحتية المكانية وغير المكانية بالنسبة إلى حقيقة جمعيّتي متساوية ، بل غير متغايرة مرتفع حكم إثنينيتهما بالنسبة إلى النظر من حيث مقامي ، فكذلك حكم الماضي والمستقبل الزماني في نظري من مقام أحدية جمعي وصورة وحدته وجمعيّته التي هي الحال ، والآن واحد مرتفع حكم ثنويتهما وأنا خارج عن أحكام تغييراتهما - أعني تغييرات الزمان والمكان - وعن التقيد بأحكام اقتضائهما ، بل جميعها محكومات أحكامي ومقيّدات

--> ( 1 ) يشير إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تفضّلوني على يونس بن متّى فإنه كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض » ، أورده الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار . . . ، حديث رقم ( 278 ) [ 1 / 264 ] .